"المدينة" تسقي الحجاج من رحيقها قبل الوداع
يونيو 2024,19

قبل أن يعودوا إلى أوطانهم، حاملين أجمل ذكرى لأطيب رحلة وأكرم ضيافة، تهفو قلوب ضيوف الرحمن إلى السلام على الحبيب المصطفى وزيارة مدينته.


يعلو وجيب القلوب وهي تقترب من دار الهجرة، وطريقها الوعر تتراءى للحجيج، بكل مخاطرها ومفاوزها، في ذلك الزمان، قبل أن يأنسوا بملامح المدينة وآثارها، وحفاوة الاستقبال؛ إذ يرحّبون بضيوف الحِمى من حجاج الموسم، مثلما فعل أسلافهم الأنصار، يوم احتشدوا لاستقبال نبيهم المهاجر، عليه الصلاة والسلام.


وهكذا، وسط منظومة وارفة من الخدمات، تزينت المدينة المنورة، لاستقبال وفود ضيوف الرحمن، الذين منّ الله تعالى عليهم بأداء فريضة الحج لهذا العام؛ لزيارة المسجد النبوي الشريف والعديد من المساجد والمواقع الإسلامية ذات الارتباط الوثيق بالسيرة النبوية، لتكون المحطة الأخيرة لتزود الحجاج بالروحانية قبل العودة إلى الديار.


وقد أكملت جميع الجهات الحكومية والأهلية ذات العلاقة بأعمال الحج بالمدينة المنورة استعداداتها لاستقبال ضيوف الرحمن عقب أدائهم نُسكهم؛ لمواصلة تقديم الخدمات لهم، وتنفيذ الخطط التشغيلية لموسم ما بعد الحج، بتنسيق متكامل بين مختلف القطاعات لتحقيق أعلى معايير الدقة والجودة.



وإذ يفد إليه الحجيج، يأخذ المسجد النبوي القلوب والأبصار بجلاله وعظمته، وسعة رحابة وفخامة مبناه، وبذلت له ولاة الأمر المال، في أريحية وسخاء. لكن تبقى روح المكان في أنقى أصالتها وعراقتها، كأن لم تمسسه يد بالتغيير منذ شهد التاريخ بناء هذا المسجد في الأيام الأول بعد الهجرة.


ويُسن للزائر زيارة قبور أهل البقيع، وفيها العديد من الصحابة، ومنهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان- رضي الله عنه- وكذلك زيارة قبور شهداء أحد، ومنهم سيد الشهداء، حمزة بن عبد المطلب، ويسلم عليهم ويدعو لهم.


ولا تخلو رحلة الحجاج القادمين إلى المدينة لزيارتها من زيارة مسجد قباء-  أول مسجد بني في الإسلام- ضمن ممشى معد خصيصًا بينه وبين المسجد النبوي يسمى "درب السنة"، طوله ثلاثة كيلومترات.


ويمكن للزوار الصلاة في المسجد، على مدار الساعة، ثم الارتجال منه إلى المسجد النبوي، ضمن الممشى الحديث، الذي يحتوي على مرشات المياه لتخفيف الحرارة، وكثير من المحلات التجارية التي يمرون عليها للتبضع؛ إذ يحرص الحجاج -أيضًا- بعد أدائهم مناسك الحج والصلاة في الحرمين الشريفين، على شراء الهدايا لذويهم وأقاربهم، لتكون ذكرى جميلة تخلّد زيارتهم وتنقلهم بين مكة المكرمة والمدينة المنورة قبل العودة إلى ديارهم.



وبوسع الحجاج زيارة المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، المعروض بعددٍ من لغات العالم، والتجول في أقسامه، حيث يهدف إلى التعريف بأسماء الله (عز وجل)، والتعريف بالآثار والمعالم الحضارية الإسلامية، باستخدام التقنيات الحديثة، في عرض موضوعات السيرة النبوية والتفاعل معها. 


للمدينة المنورة مكانتها العليا في نفوس الزائرين، يحرصون عند زيارتهم لها على أداء الصلوات في المسجد النبوي، وزيارة الجوامع الكبرى، ومشاهدة معالمها التاريخية والحضارية، وأسواقها، وزيارة المعارض التي تثري التجربة الثقافية للزائر، ويطّلعون من خلالها على جهود العناية بمواقع التاريخ الإسلامي في المدينة المنورة وبرامج تأهيلها وتطويرها، إلى جانب مشروعات التوسعة الكبرى التي شهدها المسجد النبوي لاستيعاب أكبر عدد من المصلين.